Microfinance Gateway Sanabel - Microfinance Network of the Arab Countries  
 

English | Français     بحث شامل للبوابة 


التمويل الأصغر في جنـوب العـراق

كيث ريد، أخصائي التمويل الأصغر

فـرصـة لتقـديم أفضـل الممارسـات من البـدايـة

إذا نحينا الصراع الدائر في العراق جانباً لوجدنا أن العراق يمثل حالة غير اعتيادية إذ لا يوجد تاريخ للتمويل الأصغر في هذا البلد، ما خلا ما يتم من خلال مقرضي الأموال المحليين أو جمعيات الإقراض والتوفير الدوار. وهذا ما يتيح فرصة لتقديم خدمات التمويل الأصغر باستخدام نماذج أفضل الممارسات الدولية من البداية.

يحتاج القطاع الخاص في العراق إلى بناء القدرات على كافة المستويات، من إنشاء بيئة تنظيمية سليمة إلى بناء مهارات أصحاب مشروعات العمل الحر في القطاع الخاص، لاسيما ما كان من أجل المشروعات الصغرى والصغيرة، حيث تستطيع هذه المشروعات العمل كأساس للاقتصاد، حتى يمكن تحقيق التنوع في المستقبل بعيداً عن الاعتماد الكلي على القطاع الذي تملكه الدولة أو على النفط.

القطاع المالي بعد سقوط صدام حسين

عاني القطاع المالي بعد سقوط حكومة صدام حسين حالة من الإعسار. فالحكومة كانت قد استغلت القطاع المصرفي في تمويل عمليات المشروعات المفلسة التي تملكها الدولة، وفي تراكم مستويات من الديون الخارجية لا يمكن الاستمرار في تحملها (والتي كانت مُدرجة في دفاترها). ومن المفارقات أنه رغم إعسار الجهاز المصرفي ككل كانت سيولته لا تزال مرتفعة [1]. وقد أدى عدم الإحساس بالأمان بسبب الحرب وتوابعها إلى نمو كبير وسريع في الإيداعات البنكية. ومن ثم، فاضت السيولة على الجهاز المصرفي من حسابات الإيداع الجديدة. وأشارت التقديرات إلى أنه في عام 2003 كان لدى بنك الرافدين - وهو أكبر بنوك الدولة - سيولة تقدر بأقل قليلاً من 400 مليون دولار أمريكي وصافي حافظة قروض بقيمة 44 مليون دولار أمريكي فقط [2] (بعد تجريد الأصول والالتزامات الخاصة بالمشروعات المملوكة للدولة). وتم تعزيز القطاع المصرفي، لاحقا، لجعله أكثر قدرة على الاستمرار والبقاء.

يعمل الجهاز المصرفي في العراق على الدوام على أساس منح القروض بضمانات عينية، وهذا ما أدى إلى استبعاد 95 في المائة من السكان من الاقتراض من المؤسسات المالية الرسمية. فكان الاقتراض بالنسبة لهذه الشريحة الكبيرة من السكان مقصوراً على الأُسر، أو أصحاب الأرباح المحتجزة، أو جمعيات الإقراض والتوفير الدوار، أو مقرضي الأموال الذين يطالبون بأسعار فائدة فادحة (كثيراً ما يقال إنها بين 25 – 40 في المائة في الشهر)، مما شكل كابحاً شديد الوطأة لتنمية القطاع الخاص. ويمكن أن يؤدي إنشاء بعض البنوك الأجنبية حديثاً (2004) في العراق إلى قطاع مالي أكثر شمولاً، في حالة وجود مؤسسات تمويل أصغر تتعامل مع الأفراد يمكن أن تقوم البنوك التجارية بالإقراض إليها على نحو قابل للاستمرار بصفتها مؤسسات مالية. والقطاع المصرفي التجاري إذ يدرك محدودية الفرص المتاحة حالياً في العراق خارج قطاع النفط – قد أعرب، دون الإعلان عن ذلك، عن رغبته المبدئية في استطلاع إمكانات تحقيق مثل هذا التعاون.  وهذا من شأنه حينئذ أن يُمكّن من الاستفادة المربحة من فائض السيولة في القطاع المصرفي، ويجتذب مَن هم خارج القطاع المالي الرسمي إلى داخله.

مساندة المشروعات الصغرى والصغيرة

إن مساندة المشروعات الصغرى والصغيرة بالتالي نقطة دخول ملائمة في وضع ما بعد انتهاء الصراعات. وهناك حاجة واضحة إلى تطوير أدوات تمويلية لهذه المشروعات لا تتطلب تقديم ضمانات ويمكن تنفيذها من خلال منظمات مملوكة للعراقيين تكون وثيقة الصلة بالمجتمعات المحلية التي تخدمها. 

توجد على المستوى غير الرسمي – كما هو الحال في معظم أرجاء العالم – فئات تقليدية في معظم القرى والبلدان والمدن في جنوب العراق، خاصة بين النساء، تقوم بتشغيل جمعيات الإقراض والتوفير الدوار على الصعيد المحلي. ويقتصر الأثر الذي تحْدثه هذه الفئات الصغيرة على النمو الاقتصادي على الأموال التي تتاح لها من مدخراتها الضئيلة، وهكذا يكون كثير من هذه الأموال ملائماً للإنفاق الاستهلاكي أكثر منه لاستثمارات أنشطة الأعمال، نظراً لمحدودية الأموال المتاحة.

ومن جهة أخرى، كثيراً ما يترك مقرضو الأموال غير الرسميين ـ الذين يطالبون بأسعار فائدة فادحة على القروض ـ المقترضين وقد أغرقتهم الديون وأطبق عليهم الفقر أكثر من ذي قبل.

تشمل أنواع الخدمات التي عليها طلب واضح ائتمانات تُقدم للمشروعات الصغرى والصغيرة، وأيضاً الائتمانات التي تقدم للأنشطة غير المُدرة للدخل (أي الإنفاق الاستهلاكي، والتعليم، الخ). إضافة إلى ذلك، ولكي يمكن مساندة الفقراء في الحد من مدى تعرضهم للصدمات الاقتصادية والصدمات المتعلقة بأسلوب الحياة هناك طلب كبير ضمني على المدخرات، والمعاشات التقاعدية، والتأمين، والتسهيلات الاستثمارية الأخرى. 

الوضـع الحـالي

إن تقديم الائتمانات الصغرى هو إحدى الطرق التي تؤدي إلى خلق فرص العمل الجديدة بسرعة، حيث ستقام مشروعات جديدة. وفيما يلي المستويات التقديرية للبطالة والبطالة الجزئية (بسبب ساعات العمل القصيرة وانخفاض مستويات الدخول) في محافظات جنوب العراق.[3]

بطالة جزئية

 بطالة جزئية

 

 

 دخل منخفض

 ساعات عمل قصيرة

 بطالة

 محافظات

 24.6%

 34.2%

 46.2%

 ذي قار

 36.5%

 33.2%

 28.2%

 المثنى

 12.1%

 19.5%

 15.5%

 البصرة

 19.1%

 20.9%

 30.5%

 ميسان

عقدت سلطة التحالف المؤقتة (في جنوب العراق) سلسلة من المقابلات في عام 2004، ومن بين مَن تمت معهم هذه المقابلات: [4]

  • أفاد 73 في المائة أن أسرهم تلعب دوراً في إتاحة التمويل.
  • كانت أهم مصادر التمويل التي ذُكرت هي الأُسر والأرباح المحتجزة.
  • أفاد 73 في المائة بتفضيل المبادئ الإسلامية للتمويل على المبادئ العلمانية (أسعار الفائدة).
  • وجد 90 في المائة صعوبة في الحصول على تسهيل تمويلي على الإطلاق.

أتاحت سلطة التحالف المؤقتة بعد سقوط حكومة صدام حسين في عام 2003 منحة أولى قدرها 5 ملايين دولار أمريكي بغرض تقديمها كائتمانات صغرى لتنمية المشروعات الصغرى والصغيرة في المراكز الحضرية للمناطق الجنوبية المركزية والجنوبية للعراق، إضافة إلى 5 ملايين دولار أمريكي أخرى للمناطق الشمالية (تديرها المنظمة الدولية لتنمية التعاون الزراعي ACDI/VOCA). وبدأت العمليات الخاصة بالمناطق الجنوبية المركزية والجنوبية في النجف (تديرها مؤسسة الإسكان التعاوني  CHF). وقد كان الطلب أكبر كثيراً من المتوقع، وقبل حلول شهر مارس/ آذار 2004 كانت أغلب الأموال قد تم استخدامها في المنطقة الجنوبية المركزية، وكان لا يزال هناك بعض الموارد المالية عند بدء العلميات في البصرة (2004)، وتم تخصيص 500 ألف دولار أمريكي لمدينة البصرة؛ بيد أن هذا المبلغ لم يكن كافياً لمدينة البصرة ذاتها، ناهيك عن بقية المنطقة الجنوبية. وبالتالي كانت هناك حاجة للحصول على المزيد من الأموال؛ فقد أشارت التقديرات إلى أنه يمكن للمنطقة الجنوبية بسهولة استيعاب مبلغ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار أمريكي من الأموال المتاحة للإقراض (بما في ذلك تكاليف التشغيل والإعداد)، شاملة مدينة البصرة بسكانها الذين يصل تعدادهم إلى 2.2 مليون نسمة. ووافقت أخيراً سلطة التحالف المؤقتة (في بغداد) على هذا المبلغ في مايو/ أيار 2004 لاستثماره في المنطقة الجنوبية وحدها.

مسوغات الموافقة على هذا التمويل هي:

  • أثره الفوري على البطالة والبطالة الجزئية
  • تيسير خلق فرص عمل جديدة في مجموعة واسعة النطاق من القطاعات
  • أثره المباشر والفوري في تخفيض أعداد الفقراء
  • أثره المباشر والفوري في نمو القطاع الخاص
  • تقديمه ائتمانات للفئات المستهدفة المستبعدة
  • إتاحة التمويل، خاصة، للنساء والشباب
  • تحسين قدرات الفئات المعرضة للمعاناة على تحمل الصدمات الاقتصادية والصدمات المتعلقة بأسلوب الحياة
  • استناده إلى المناطق الحضرية من أجل:
  • التقليل من المشاكل اللوجستية المتعلقة بتوسيع نطاق الانتشار
  • تركيز الموارد
  • التقليل من تكاليف التشغيل كنسبة مئوية من قيمة مبلغ التمويل
  • تقديم التمويل الائتماني الوحيد المتاح للسكان في المناطق الحضرية

كان هناك استياء كبير في المناطق الحضرية في المنطقة الجنوبية بسبب البطالة، وهو ما تم التعبير عنه عن طريق المظاهرات وأحداث الشغب، ويرى سكان هذه المنطقة أن هذه القضية حاسمة الأهمية. وتجدر الإشارة إلى أن البرنامج كان له أثر فوري منظور على البطالة والبطالة الجزئية من خلال الإقراض بأسعار فائدة ميسورة وقابلة للاستمرار دون الحاجة إلى ضمانات رسمية. وتم توفير التأمين على أساس الضمانات الشخصية، فضلاً عن التصفية الدقيقة للمقترضين.

التحديات المستقبلية – تحديد المبادئ ومساندة مؤسسات التمويل الأصغر المحلية

يوجد بهذا القطاع عدد من القيود تحتاج إلى الحل على المدى المتوسط إلى المدى الطويل. أولاً، لم يتم بعد تحدد الشكل الذي ستكون عليه مبادئ التمويل التي سوف يتم تطبيقها في المستقبل في العراق. ورغم التأييد الواضح لمسألة تطبيق المبادئ الإسلامية المتعلقة بالتمويل يبدو أن أغلب العراقيين لا يفهم الأساس الذي تقوم عليه هذه المبادئ فهماً جيداً. فحتى الآن ما زالت البنوك تطبق المنهجيات العلمانية فيما يتعلق بأسعار الفائدة، والعراقيون على دراية بها. ولربما اختارت مؤسسات التمويل أحد النوعين، ولكن المرجح أنه سيكون هناك مزيج منهما. وسوف يتوقف الكثير على طبيعة الحكومة التي تتولى زمام الأمور.

ثانياً، هناك مطلب حثيث للمساعدة في تنمية مؤسسات التمويل الأصغر محلية المنشأ في العراق، لإتباع أفضل الممارسات الدولية.

يجب أن تكون هناك ستة محاور أساسية ترتبط بتطوير القطاع في العراق:

  1. مراجعة الإطار التنظيمي بشأن التمويل الأصغر
  2. تطوير مؤسسات التمويل الأصغر المحلية بحيث تصبح منظمات احترافية وقابلة للاستمرار مالياً
  3. إقامة شراكات بين مؤسسات التمويل الأصغر والقطاع الخاص والقطاع المصرفي التجاري والمنظمات الدولية الداعمة للتمويل الأصغر
  4. إنشاء وحدات للتمويل الأصغر في وزارة التجارة والبنك المركزي بالعراق لتقديم مساندة إرشادية
  5. إنشاء إطار استشاري خاص بالسياسات المتعلقة بالتمويل الأصغر يمكن أن تستخدمه مؤسساته لتقديم أفضل الممارسات الدولية
  6. وضع تقديرات سنوية دولية لمؤسسات التمويل الأصغر العراقية بهدف تحديد مواطن القوة والضعف والفرص والأخطار، وبهدف تطوير قدرة عراقية يمكنها أن تتولى عمليات وضع التقديرات بنفسها على المدى المتوسط

إن معالجة هذه المتطلبات من شأنه أن يدفع إلى تحقيق الهدف الرامي إلى بناء قطاعات مالية شمولية في جنوب العراق.


[1] دراسة استقصائية عن الجهاز المصرفي العراقي والتوصيات ذات الصلة بخصوص اختيار البنوك الشريكة في برنامج إقراض المشروعات الصغيرة والمتوسطة ـ ديفيد مونرو،Bearing Point ، نوفمبر/تشرين الثاني 2003.
[2] قدّر ج بوردرز أن إجمالي الديون الخارجية المُستحقة على الحكومة العرقية والمسجلة في دفاتر بنك الرافدين في 30 من شهر يونيو/ حزيران 2003 قد بلغ ما قيمته 7.5 بليون دولار أمريكي.
[3] مؤسسة الإحصاءات المركزية، بالتعاون مع وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي ووزارة العمل والشئون الاجتماعية بالعراق - أكتوبر/ تشرين أول 2003.
[4] دراسة استقصائية عن مناخ الاستثمار في جنوب العراق ـ 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2004 ـ قسم التجارة والصناعة، قيادة قوات التحالف ـ المنطقة الجنوبية.

 

 

 

 
عن البوابة العربية | اتصل بنا | قدم اسهاما | اخبر صديقا