يعتبر التّمويل الأصغر من الأساليب النّاجحة والنّاجعة لتخفيف حدة الفقر والبطالة في المجتمع إذا ما نُفذ بصورةٍ سّليمة وبأسسه المعروفة والمتعارف عليها عند أهل هذه الصَّنَاعة ، حيث أنه يؤدي إلي زيادة دخل الفقراء وتزويدهم بالفرص التّي تساعدهم علي تحسين حياتهم المعيشية ، لذلك قد تبنته العديد من الدّول والمنظمات العاملة في مجال التّنمية وجعلته من مرامي إستراتيجياتها ، ولم يكن السُّودان بعيداً عن ذلك ، بعد أن أفاق من ثباته العميق مؤخراً ، وتبني الفكرة بصورةٍ رسمية علي مستوي سياساته الكلية التّي نتج عنها إنشاء إدارة متخصصة للتّمويل الأصغر ببنك السُّودان في عام 2007 م لتبنِّي هذا الطّرح برأس مال وقدره 40 مليون دولار وهي عبارة عن مساهمة المؤسسين ، وزارة المالية وبنك السُّودان ، كما أنها مستقلة مالياً وإدارياً ، علي أن تكون أهدافها تشجيع وحفز التّمويل الأصغر كأداة لتقديم الخدمات المالية وانسياب وتسهيل التّمويل المتدفق من القطاع الرّسمي وغير الرّسمي بغرض تخفيف حدة الفقر وتحقيق التّنمية الاقتصادية المتوازنة في مختلف ولايات السّودان ، إضافة إلي التّطوير المقنن لمؤسسات التّمويل الأصغر من خلال برامج التّدريب ورفع قدراتها لآداء مهامها بكفاءة عالية . والسُّوال الذّي يطرح هنا في هذا السِّياق ماذا عن الجهاز المصرفي والذّي يمثل الثِّقل الأكبر نسبياً من تلك المؤسسات – المقدمة للتّمويل الأصغر- هل هو قادر علي الدّخول في هذه الصَّناعة بخطي ثابتة ؟ وبمعني آخر رغم كل الإمكانيات المتاحة التّي تتمتع بها المصارف السُّودانية من خبرات وكوادر مصرفية وبنيات تحتية وأنظمتها القائمة ( ضبط مالي وإداري ومحاسبي وفني ...) وأسمائها المعروفة وفروعها المنتشرة نسبياً وقدرتها علي الوصول لرأس المال وتحقيق الرِّبحية والاستدامة بفاعلية تكلفتها ومقدرتها علي استقطاب الودائع وتقديم خدمات مصرفية بصورة جيدة ، هل تستطيع أن توفر العرض من التّمويل للفقراء النّشطين اقتصادياً وتحفِّز جانب الطّلب لديهم علي هذا النّوع من التّمويل ، وهل تنجح في إدارة برامجه بالصُّورة المرغوبة ؟
قد يستغرب الكثيرون إن قلت لا علي الأقل في المرّحلة الحالية ، ولكن لماذا هذه الإجابة التّي يعتقد البعض أنها مجحفة في حق الجهاز المصرفي ، إن ذلك يرجع لأسباب عدة تتمثل في الآتي :
أولاً : البحث عن المستفيدين والدِّقة في اختيارهم والاحتفاظ بهم :
تسعي مؤسسات التّمويل الأصغر جاهدةً للبحث عن عملائها ووصولهم في أماكنهم قدر الإمكان وتتحرى الدِّقة المتناهية في اختيارهم كما أن هذا الاختيار ينطبق علي عملائها الذّين يتقدمون لها للحصول علي تمويل ، حيث يجب أن يكونوا من النّشطاء اقتصادياً وجادين في تعاملهم وقادرين علي سداد قروضهم بانتظام ، وبذلك تضمن أن تمويلها ذهب في مساره الصّحيح بكفاءة عالية ، ولكن هذه الدِّقة في الاختيار والبحث عن المستفيدين ثقافة لم تعتادها المصارف السُّودانية حتي الآن وتحتاج إلي المزيد من الوقت لاكتسابها.
ثانياً : مساعدة العميل في إعداد دراسة الجدوى :
إن مؤسسات التّمويل الأصغر تساعد عملاءها في إعداد دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع المراد تمويله وهذا الأمر غير موجود لدي المصارف السّودانية باعتبار أن ذلك عبئاً إضافياً عليها وعلي موظفيها وخصماً علي زمنها.
ثالثاً : البناء المستمر للقدرات :
إن مؤسسات التّمويل الأصغر – الرّسمية وشبه الرّسمية – تهتم بالتّدريب المستمر للمستفيدين من خدماتها بتمكينهم من الجوانب المعرفية والمهارات الّلازمة والمطلوبة لإدارة مشاريعهم وحساب تكاليف منتجاتهم وقياس مستوي أرباحهم وكيفية تسويق تلك المنتجات سواء أن قامت بتدريب عملائها بنفسها أو تعاقدت مع جهة أخري للقيام بذلك.
رابعاً : التّقليدية في منح التّمويل وعدم تنوع المنتجات :
إنه من الأهمية بمكان أن يتم منح التّمويل الأصغر للمستفيد حسب حاجته ورغبته في المشروع المعين ، وليس حسب سياسات البنك أو سياسة الدّولة ، حيث أن المصارف السّودانية مازالت تسير علي نمطها التّقليدي في منح التّمويل حسب السّياسات القطاعية للدولة أو حسب سياساتها المبنية علي تحقيق أقصي الأرباح وليس بناءً علي طلب السُّوق ورغبة المستفيد ، وهذا الأمر ينعكس سلباً علي المشروع المموّل بصعوبة إدارته من ناحية وقد يكون غير متناسباً مع بيئة العميل من ناحية أخري ويترتب علي ذلك عدم قدرة العميل علي تسويق منتجاته وغالباً ما يكون المشروع عرضة للفشل مستقبلاً.
خامساً : تعقيد الإجراءات والتّأخر في منح التّمويل :
إن بيروقراطية الجهاز المصرفي فيما يتعلق بإجراءات منح التّمويل وتأخيرها تجعل المستفيد ينفر من ذلك وبالتالي يفقد حقه في الاستفادة من التّمويل لأنه في عجلة من أمره للبدء في مشروعه . فعلي سبيل المثال تطلب المصارف من زبونها أن يفتح حساباً عند تقديم طلب التّمويل وأن يكتب شيكات بتواريخ مؤجلة ...الخ من الإجراءات التّي تصبح عقبة أمام المستفيد وأمام المصرف بالوصول إلي أكبر عدد من عملاء التّمويل الأصغر ، وقد توصلت دراسة عن تكلفة التّمويل وأثرها علي سلوك المصارف في تقديم التّمويل الأصغر إلي أن طول وتعقيد الإجراءات المتعلقة بالحصول علي التّمويل ومداها الزّمني يؤدي إلي زيادة التّكاليف لطرفي التّعاقد.
سادساً : محدودية القرب المكاني والزّماني :
يُعد القرب المكاني - الانتشار الجغرافي - والقرب الزّماني - العمل لأطول فترة ممكنة خلال اليوم ( امتداد ساعات العمل) - عاملاً مهماً لتقديم خدمات التّمويل الأصغر حيث يُمكّن العميل من الحصول علي تلك الخدمات بسهولة ويسر ودون مشقة أو تحمل نفقات بالذِّهاب إلي أقرب فرع أو إهدار مزيداً من الوقت ناهيك عن صعوبة أو إنعدام وسيلة النّقل للوصول لأقرب فرع خاصة في مواسم الخريف حيث تكون الحالة سيئة لشبكات الطرق.
سابعاً : عدم تعويد العميل علي أساليب الادخار :
تنتهج مؤسسات التّمويل الأصغر أساليبها الخاصة لتعويد عملائها علي الادخار فمنها ما يجعله إجبارياً ومنها ما يتركه طوعياً للمستفيد حيث أثبتت العديد من الدِّراسات جدوى الأخير وأفضليته علي النّوع الأول ، والبعض من تلك المؤسسات يستخدم تلك المدخرات كضمان للتّمويل الممنوح للمستفيد مستقبلاً ، فكلما زاد مبلغ الادخار الخاص بالمستفيد المعين أو المجموعة المحددة كلما كانت فرصتهم أوسع في الحصول علي تمويل أكبر ، والبعض الآخر من تلك المؤسسات يقوم باستثمار تلك المدخرات ، لكن هذا الأمر لم تهتم به المصارف السُّودانية بالدّرجة المطلوبة ويحتاج منها إلي ابتكار الحوافز الشّرعية الملائمة لذلك ، علماً بأن المدخرات تشكل جانباً مهاماً في عملية التّنمية الاقتصادية .
ثامناً : صعوبة استهداف تمويل المرأة :
إن سياسة بنك السُّودان تقتضي أن تخصص المصارف 30 % من حجم أموالها المخصصة للتمويل الأصغر ( محددة مسبقاً من بنك السُّودان بـنسبة 12% من محفظة التّمويل كحد أدني ) لتمويل النِّساء ، إلاّ أن هذا الأمر تجد فيه المصارف صعوبة حيث أن الوصول للمرأة وخاصة الرّيفية منها تحتاج لسبل معينة لإقناعها بالتّمويل الأصغر.
تاسعاً : القصور في المتابعة والمراقبة بعد تمويل المشاريع :
تتبع مؤسسات التّمويل الأصغر طرقها المختلفة للمتابعة اللّصيقة للمشروعات المُموّلة كما أنها تساعد المستفيدين بحل مشاكلهم التّي تواجههم سواء في إدارة المشروع أو تسويق المنتج أو في التّمويل أو غير ذلك من العقبات وهذا ما لا نجده بالمصارف السُّودانية باعتبار أن تلك المتابعة الميدانية تكلفتها عالية جداً.
عاشراً : غياب معايير لقياس الآداء :
إن وجود معايير لقياس الآداء مهم جداً في صّناعة التّمويل الأصغر ، فالمعايير تُسهم في تجويد العمل وتحديد المرحلة التّي تقف عندها المؤسسة وذلك بمقارنة آدائها الفعلي بتلك المعايير ، ولكن تلك المعايير مفتقدةٌ بالجهاز المصرفي.
أحد عشر : الافتقار إلي قاعدة معلوماتية :
إن المعلومة السّليمة هي أساس اتخاذ القرار الرّشيد ، فبناء قاعدة معلوماتية تتضمن البيانات والمعلومات الخاصة بقطاع التّمويل الأصغر وعملائه لا شك في أنها تُسهم في تدفق التّمويل للمستفيدين بصورةٍ سريعة وتؤدي إلي زيادة الطلب عليه.
ثاني عشر : عدم وجود التّنسيق والتّكامل مع الجهات ذات الصِّلة بقطاع التّمويل الأصغر :
وذلك لتحاشى تكرار التّمويل للشخص الواحد أو المجموعة المعينة ، كما أن هذا التّنسيق يتيح للمصارف تبادل الخبرات بالاستفادة من تجارب الآخر.
ثالث عشر : التّكاليف العالية :
إن إدارة منتجات التّمويل الأصغر تتميّز بأن نفقاتها عالية ، حيث تقوم مؤسسة التّمويل الأصغر بجمع معلومات عن العميل وعن النّشاط المُموّل ووصول العملاء ومتابعة أنشطتهم المُمولة ميدانياً وهذا يستوجب من المصارف تصميم أنظمة متطورة لاحتساب التّكاليف تمكنها من رفع تقارير ربع سنوية وتساعدها عمل تدقيق عملياتها بانتظام.
رابع عشر : عدم وجود إستراتيجية للتّمويل الأصغر :
العديد من المصارف السُّودانية ليس لديها إستراتيجية أو خطة واضحة المعالم للدخول لهذه الصّناعة والعمل بها.
خامس عشر : عدم الاقتناع بالفكرة :
علي الرّغم من أن بنك السّودان قد وجهه في سياسته التّمويلية لسنة 2008 م بأن تخصص المصارف نسبة 12% كحد أدني من السّقف الائتماني للتّمويل الأصغر إلاّ إن الكثيرين من العاملين بالمصارف السُّودانية لا يؤمن بمسألة التّمويل الأصغر.
سادس عشر : البُطء في نشر ثقافة التّمويل الأصغر :
هذه المرحلة تحتاج من الجهاز المصرفي لاستقطاب عملاء التّمويل الأصغر وإقناعهم به عن طريق تصميم برامج تثقيفية عن التّمويل الأصغر تُبث عبر وسائل النّشر الجماعي أو بأي وسيلة إعلامية أخري يراها مناسبة ، وهذا ما لا تعيره المصارف السُّودانية أي اهتمام في المرحلة الحالية.
سابع عشر : التّخصصية وطبيعة التّمويل الأصغر :
إن التّمويل الأصغر ذا طبيعة خاصة تحتاج لنوعية معينة من الموظفين حيث أن عملائه يحتاجون لتعامل خاص وهذا ما يفتقد إليه الكثير من موظفو المصارف السُّودانية العاملة بهذا المجال.
ثامن عشر : صعوبة الموازنة بين الأهداف الاجتماعية والرِّبحية في التّمویل الأصغر :
من المهام الأكثر تحدّیاً أمام المصارف هي الموازنة بين الرِّسالة الاجتماعية والرِّبحية وقد أثبتت أفضل ممارسات التّمویل الأصغر بأن هذین الهدَفين مكمّلان لبعضهما وهما یعكسان نفس المفاضلة وكل منهما یدعم الآخر كما يعكسان نفس المظاهر لفلسفة العمل ، فالرّسالة الاجتماعية هي توجّه مؤسسة التّمویل الأصغر تجاه موضعية متخصّصة في السُّوق ، من أجل خدمة السُّوق بفعالية وربحية مما يستلزم عليها فهم خصائص السُّوق المستهدفة وتصميم خدماتها على ذلك الأساس.
خاتمة:
لكل هذه الأسباب وغيرها لا تستطيع المصارف السُّودانية حالياً الدِّخول لصناعة التّمويل الأصغر بالصّورة المرغوبة ، وربما يكون أحسنها حالاً مصرف الادخار والتّنمية الاجتماعية ولكن علي المدي الطويل سيكون صعباً عليه ذلك حسبما تنبأت به رؤية تنمية وتطوير قطاع التّمويل الأصغر في السّودان ، وقد تكون الفرصة أوسع أمام بنك الأسرة وبنك الجودة ، إذا ما عملا بالأسس الصّحيحة لهذه الصّناعة ، وتجنبا الآراء التّمويلية التّقليدية التّي ترسخ للأسس والمفاهيم القديمة والحفاظ عليها حيث أنها لا تطور هذه الصّناعة . ولكن هذا لا يعني أن تتوقف المصارف الأخري عن العمل بهذا النّوع من التّمويل بل الفرصة أمامها ويمكن استغلالها بالأساليب الصّحيحة.
وختاماً فلابد للمصارف السّودانية أن تأخذ في اعتبارها أن صناعة التّمويل الأصغر تتميز بتكاليف إدارية عالية وإجادة في حسابها بدقة متناهية ، وعمالة كثيفة ( Intensive Labor) وكادر متخصص مقتنع بالفكرة ، وعمل ميداني دوؤب ، ومتابعة جيدة للعملاء ، وتدريب مقنن لعملائها وللعاملين بها ، وقِصر في فترات استرداد أقساط التّمويل وطولٌ في مداه الزّمني ، وجدية في إدارته وإدارة مخاطره ، وتنوع في منتجاته ، وإدخال للتّقنية التّي تساعد علي تيسيره وتقلل من تكاليفه ، وانتشار جغرافي واسع وامتداد في ساعات العمل ونشر وإقناع بالفكرة . وأنظمة معلومات ذات كفاءة عالية ، ووحدات بحثية إبداعية ومتميِّزة ، وتصميم نظام جيِّد للحوافز يكافئ الموظفين على آدائهم ويضمن التّحسين في تقديم الخدمات وصبر علي النّتائج وتطبيق صحيح لصيغ التّمويل الإسلامية ، ومرجعيات ومعايير للقياس ، وأن التّمويل الأصغر وسيلة لتعبئة الموارد وفرصة لزيادة الاستثمارات وتحقيق للرِّبحية وآداة مساهمة اجتماعية . فإذا ما تعين علي المصارف الأخذ بهذه الاعتبارات وغيرها يمكن أن تسهم في هذا القطاع بالصُّورة المطلوبة وأن تحقق الاستدامة اللازمة في هذا المجال .
مقالات ووثائق ذات الصلة:
التّمويـل الأصـغر.. هــل المصارف السُّودانية قـادرة عـلي ذلك ؟ - الوثيقة الكاملة
دراسة قام بها البنك المركزي السوداني: الضمان بالرهن والضمان المالي في توسعة التمويل الأصغر بالسودان
رؤية حول تنمية والتوسع في قطاع التمويل متناهي الصغر في السودان
دراسة بحثية تطبيقية: حول تحليل التكلفة وحساب هامش الربح الحقيقي - برنامج الأمل كنموذج تطبيقي
مقترح بادخال التمويل الاصغر في الدراسات الجامعية بالسودان